الجمعة، 21 يونيو 2019

خطوات فلسطينيّة للاستغناء عن النفط الإسرائيليّ

أحمد أبو عامر – المونيتور

مدينة غزّة، قطاع غزّة — تواصل السلطة الفلسطينيّة خطواتها للانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل، وذلك بعد اتّهام الفلسطينييّن الأخيرة بانتهاك بروتوكول باريس الاقتصاديّ الموقّع بين الجانبين خلال عام 1994. وكانت تلك الانتهاكات الأخيرة اقتطاع إسرائيل، في 17 شباط/فبراير الماضي، مبلغ 502 مليون شيقل (139 مليون دولار) من أموال المقاصّة الفلسطينيّة، وهو قيمة ما دفعته منظمة التحرير الفلسطينية كرواتب للأسرى وأهالي الشهداء خلال عام 2018، الأمر الذي أدخل الحكومة الفلسطينيّة في أزمة ماليّة خانقة.

وتمثّلت تلك الخطوات الأخيرة، في إعلان وزير الاقتصاد الفلسطينيّ خالد العسيلي بـ6 حزيران/يونيو الجاري، على هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصاديّ الدوليّ الذي عقد في مدينة سان بطرسبورغ الروسيّة، عن جهود فلسطينيّة لاستبدال النفط الإسرائيليّ بآخر روسيّ أو عربيّ.

وقال خالد العسيلي لوكالة "سبوتنيك" الروسيّة: "نأمل أن ننجح في استيراد أيّ نفط خامّ، خصوصاً من روسيا أو من أيّ دول عربيّة، حتّى نتمكّن من تخفيف الاعتماد على النفط الإسرائيليّ. وبالتالي، تكون لدينا خيارات مختلفة (..)، وأعتقد أنّ النفط الروسيّ هو أحد الخيارات الموجودة، التي نأمل بأن ننجح في إمكانيّة استيرادها".

وأشار إلى أنّ الرئيس محمود عبّاس، وكذلك الحكومة الفلسطينيّة، معنيّان جدّاً باستيراد النفط الروسيّ، وقال: "لكن لا يزال من المبكر الحديث عن الكميّات".

السلطة الفلسطينيّة وسّعت تعاونها السياسيّ والاقتصاديّ مع روسيا في السنوات الأخيرة، وذلك بعد القطيعة التي غلبت على العلاقات الأميركيّة - الفلسطينيّة في أعقاب إعلان الرئيس دونالد ترامب بـ6 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة أميركا إلى القدس في 14 أيّار/مايو من عام 2018، ووقف المساعدات الأميركيّة المقدّمة إلى الفلسطينيّين، وإغلاق مكتب منظّمة التحرير في واشنطن بـ10 أيلول/سبتمبر من عام 2018.

وأسّس الجانبان، في 13 نيسان/إبريل من عام 2015، اللجنة المشتركة الروسيّة - الفلسطينيّة للتعاون التجاريّ والاقتصاديّ، وعقدت اللجنة منذ تأسيسها 3 لقاءات في 15 آذار/مارس من عام 2016، 8 نيسان/إبريل من عام 2017، و7 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، فيما وقّع الجانبان 19 اتفاقيّة تعاون مشترك خلال الأعوام 2016 و2017 و2018 في مجالات اقتصاديّة عدّة.

وتستورد السلطة الفلسطينيّة جميع مشتقّاتها من الوقود من إسرائيل فقط، ويعدّ سعر ذلك الوقود الأعلى، مقارنة مع الوقود الذي يباع للمستهلك في الدول العربيّة كالاردن، إن سعر الوقود في الأراضي الفلسطينية يباع للمستهلك بسعر أغلى من سعره في الأردن بقرابة الـ 12 بالمائة، وذلك بفعل الضرائب التي تفرض عليه من قبل إسرائيل والحكومة الفلسطينيّة، إذ تفرضان ضريبة تسمّى "البلو" على كلّ مشتقّات الوقود، وتبلغ نسبتها 55 في المائة من سعر لتر الوقود، الذي يباع للمستهلك الفلسطينيّ بسعر (1.7 دولار). كما تفرض الحكومة الفلسطينيّة ضريبة "القيمة المضافة" المقدّرة بـ16 في المائة من سعر أيّ سلعة تدخل السوق الفلسطينيّة بما فيها الوقود.

الجهود الفلسطينيّة لمحاولة استيراد النفط من روسيا سبقتها تحرّكات لاستيراد النفط من بلدان أخرى كالعراق، الذي زاره الرئيس الفلسطينيّ في آذار/مارس الماضي، وبحثت لجان فلسطينيّة وعراقيّة مختصّة في إمكانيّة تزويد الأراضي الفلسطينيّة بالوقود العراقيّ عبر أنابيب تمرّ من الأردن، وصولاً إلى مدينة أريحا الفلسطينيّة.

وأكّد المدير العام للسياسات والناطق الإعلامي باسم في وزارة الاقتصاد الفلسطينيّة عزمي عبد الرّحمن خلال حديث لـ"المونيتور" أنّ الانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل يسير وفق خطط استراتيجيّة وضعتها الحكومة الفلسطينيّة، والتي من ضمنها التخلّي التدريجيّ عن النفط الإسرائيليّ واستبداله بنفط روسيّ أو من أيّ دولة عربيّة مصدّرة للنفط.

وأوضح عزمي عبد الرّحمن أنّ الوقود الإسرائيليّ يعدّ باهظ الثمن بالنسبة للمستهلك، مقارنة مع مشتقّات الوقود في الكثير من البلدان العربيّة، مشدّداً على أنّ بروتوكول باريس الاقتصاديّ الموقّع بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل خلال عام 1994 لا يمنع الفلسطينيّين من استيراد النفط من أيّ دولة حول العالم، لكنّه يفرض بعض الشروط، في حال أراد الفلسطينيّون استيراد نفط غير إسرائيليّ.

وينصّ بروتوكول باريس الاقتصاديّ في البند رقم 12 على الآتي: "يمكن للسلطة الفلسطينيّة أن تستورد بنزيناً للأسواق الفلسطينيّة (..) وفقاً لاحتياجات هذه السوق، بشرط أن يتمّ تمييز لون البنزين عن ذلك المسوّق في إسرائيل. كما تتّخذ السلطة الفلسطينيّة كلّ الخطوات الضروريّة لضمان عدم تسويق هذا البنزين في إسرائيل".

وذكر مسؤول في الهيئة العامّة للبترول الفلسطينيّة في الضفة الغربية، فضّل عدم الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور" أنّ قيمة ما تستهلكه الأراضي الفلسطينيّة (الضفّة الغربية وقطاع غزّة) من الوقود يقدّر بقرابة مليار لتر سنويّاً أيّ بمعدّل 80 مليون لتر شهريّاً تقريباً، وبمبلغ إجماليّ يصل إلى 5 مليار شيكل (1.388 مليار دولار) سنويّاً.

وأوضح أنّ بحث الحكومة الفلسطينيّة في بدائل عن الوقود الإسرائيليّ يعود إلى ارتفاع ثمنه، مشيراً إلى أنّ الدعم الحكوميّ الفلسطينيّ للوقود المستورد من إسرائيل لا يتجاوز الـ10 في المائة من سعر اللتر الواحد.

وبيّن أنّ استيراد الوقود من دول غير إسرائيل يتطلّب الانتهاء من الخطط التي تدرسها الحكومة حاليّاً، والتي تركّز على احتساب التكلفة الإجماليّة لذلك الوقود من موطن استيراده وحتّى بيعه للمستهلك، مروراً بآليّات النقل والتكرير.

قطاع غزّة كان السبّاق في خطوات الاستبدال الجزئي للوقود الإسرائيليّ بالوقود المصريّ، وذلك من جرّاء عدم قدرة وزارة الماليّة، التي تديرها حركة "حماس" في قطاع غزّة، على شراء الوقود الإسرائيليّ لارتفاع سعره، وبدأت باستيراد الوقود المصريّ في حزيران/يونيو من عام 2017، لتغطّي ما يقرب من ثلث كميّة الوقود التي يحتاج إليها قطاع غزّة شهريّاً.

كما استخدمت إسرائيل الوقود كأداة عقابيّة لسكّان قطاع غزّة، ومنعت إدخاله لأيّام عدّة في 5 أيّار/مايو الماضي، بعد المواجهة العسكريّة بين الفصائل الفلسطينيّة وإسرائيل، وهو ما أحدث أزمة وقود في قطاع غزّة، الذي يحتاج إلى 450 ألف لتر من السولار يوميّاً لتشغيل محطّة الكهرباء. كما يحتاج وفقاً للهيئة العامة للبترول في غزة بين 30 و35 مليون لتر من البنزين شهريّاً للسيّارات.

وأمل رئيس جمعيّة أصحاب محطّات الوقود في قطاع غزّة محمود الشوّا خلال حديث مع "المونيتور" في أن تنجح الحكومة الفلسطينيّة بإيجاد بديل للوقود الإسرائيليّ واستيراد وقود من أيّ دولة حول العالم، وفي مقدّمتها روسيا، مشدّداً على أنّ الأراضي الفلسطينيّة في حاجة إلى التحرّر من أسعار الوقود الإسرائيليّ والضرائب المفروضة عليه، والتي تكلّف المواطن أسعاراً مضاعفة عن سعره المتداول عالميّاً.

يبدو أنّ السلطة الفلسطينيّة ماضية في خططها للانفكاك الاقتصاديّ عن إسرائيل، ولا أدلّ على ذلك من نجاحها خلال أيّار/مايو الماضي، في توقيع اتفاقيّة مع الأردن تتمثل في رفعه كميّة الكهرباء التي تشتريها السلطة الفلسطينيّة، مقابل تقليص الأخيرة كميّة الكهرباء التي تشتريها من إسرائيل.



الخميس، 20 يونيو 2019

السلطة الفلسطينية تمنع إقامة بيوت عزاء لـ"مرسي" في الضفة الغربية

أحمد أبو عامر – المونيتور

مدينة غزة، قطاع غزة – خلقت حادثة وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في 17 يونيو الجاري، أثناء محاكمته في العاصمة المصرية القاهرة حالة من التعاطف الكبير بين الفلسطينيين، أظهرتها منصات التواصل الاجتماعي، وكذلك نعي الفصائل الفلسطينية له كحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وتقبل قائد حماس السابق خالد مشعل للتعازي في وفاة مرسي بالعاصمة القطرية.

التعاطف مع وفاة مرسي جاء كشكر على الجهود التي قدمها الرئيس المصري السابق للفلسطينيين، وتحديداً في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، والتي تربطها علاقة أيديولوجية مع جماعة الإخوان المسلمين التي يعد مرسي أحد قادتها، فالأخير كان له دور كبير في وقف العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة في نوفمبر 2012، وسماحه بفتح معبر رفح للمسافرين الفلسطينيين لأيام متواصلة خلال عامي 2012 و2013، بعد أن كان يفتح لأيام قليلة في السنوات التي سبقت حكمه.

وأقام بعض الفلسطينيين بمبادرات فردية بيوت عزاء في عدة مدن بقطاع غزة، أما حركة حماس فاكتفت بنعي الرئيس المصري السابق ببيان رسمي، وكذلك مهاتفة رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية في 18 يونيو الجاري، لزوجة مرسي لتعزيتها، وذلك على ما يبدو حرصاً منها على إبقاء العلاقات مع النظام المصري الحالي بصورة جيدة.

أما في الضفة الغربية فكان الأمر مختلفاً؛ فالتزمت قيادات السلطة الفلسطينية الصمت حيال وفاة مرسي، فيما منعت الأجهزة الأمنية التابعة لها إقامة بيوت عزاء له، وذلك خوفاً من توتر العلاقة مع النظام المصري، ناهيك عن حالة العداء التي تغلب على علاقة السلطة الفلسطينية بجماعة الإخوان المسلمين والرئيس مرسي الذي اتهمه الرئيس محمود عباس في أكتوبر 2014، بأنه حاول الإضرار بالقضية الفلسطينية عبر طرحه منح مساحة من سيناء للفلسطينيين.

وكالة معاً الإخبارية نقلت عن مصادر أمنية فلسطينية لم تذكر اسمها في 18 يونيو الجاري، أن السلطة الفلسطينية قررت منع إقامة بيوت عزاء للرئيس المصري السابق محمد مرسي في الضفة الغربية.

وهددت تلك المصادر باتخاذ إجراءات صارمة بحق من يخالف ذلك القرار، وبررت ذلك بالقول: "الأوضاع التي تمر بها القضية الفلسطينية في هذه الأيام حساسة، ولن نسمح بتحويل البوصلة ضد الأهداف الوطنية والانجرار وراء خلافات جانبية".

تواصل "المونيتور" مع العديد من المسئولين الأجهزة الأمنية الفلسطينية للتعقيب على قرار المنع إلا أنهم رفضوا التعليق، وأصدر الناطق باسم الأجهزة الأمنية عدنان الضميري في 18 يونيو الجاري، تصريحاً صحفياً نفى فيه أن يكون هناك قرار بمنع إقامة بيوت عزاء لمرسي بالضفة الغربية.

العديد من النشطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية أكدوا في أحاديث منفصلة مع "المونيتور" منع السلطة لهم إقامة بيوت عزاء، وقال كريم عياد أحد وجهاء مخيم الدهيشة بمدينة بيت لحم لـ"المونيتور": "تفاعلت مع مبادرة أطلقها الحراك الشبابي في مخيم الدهيشة في 18 يونيو الجاري، لفتح عزاء لمرسي كموقف انساني منهم تجاه الرئيس الذي وقف إلى جانب القضية الفلسطينية، وتكفلت بتوفير قاعة مؤسسة رعاية أهالي الشهداء بالمخيم لإقامة العزاء فيه، إلا أن طلب الأجهزة الأمنية منا وقف تلك التحركات أحبط كل شيء".

من جانبه، أكد المحامي الفلسطيني طارق الحزام لـ"المونيتور" أنه ومجموعة من الشباب في مدينة نابلس أطلقوا مبادرة عبر الفيسبوك في 18 يونيو الجاري، لإقامة بيت عزاء لمرسي في المدينة، وتكفل أحد التجار في المدينة بتوفير قاعة لإقامة العزاء، إلا أنه تفاجئ باتصال من ضابط في جهاز الأمن الوقائي يطلب منه وقف تلك المبادرة وإزالة المنشور عبر الفيسبوك.

وأوضح الحزام أن الضابط الذي تحدث معه برر له منع إقامة العزاء بأن هناك قرار سياسي ولا يردون توتر في العلاقة مع مصر"، منوهاً إلى أنه التزم بذلك، وأنزل منشوراً آخراً اعتذر فيه عن إقامة بيت العزاء.

أما التاجر هاني المصري والذي عرض توفير القاعة الخاصة به لإقامة بيت عزاء لمرسي أكد لـ"المونيتور" أن ضابطاً في جهاز الأمن الوقائي هاتفه وطلب منه العدول عن الفكرة.

حالة العداء التي تغلب على العلاقة بين السلطة الفلسطينية وجماعة الإخوان المسلمين جاءت امتداداً للخلافات التي ظهرت مع نشأة حركة فتح وفصائل منظمة التحرير في ستينات وسبعينات القرن الماضي، على البرامج السياسية وآليات العمل المسلح ضد إسرائيل، وتصاعد العداء مع نشأة حركة حماس نهاية عام 1987، والتي مثلت فرع الإخوان المسلمين في الأراضي الفلسطينية.

القيادي في حركة فتح عبد الله عبد الله شدد في حديث مع "المونيتور" أن لدى السلطة الفلسطينية وحركة فتح قراراً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، معتبراً أن وفاة مرسي حدث مصري داخلي.

واستدرك: "رغم ذلك لم نمنع أحداً من التعبير عن مشاعره تجاه وفاة مرسي".

مواقع إعلامية مقربة من حركة حماس ذكرت في 19 يونيو الجاري، أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية اعتقلت 11 فلسطينياً، بتهمة نشرهم نعي أو تعزية لمرسي أو تعليقهم على منشورات تتحدث عنه.

وقال النائب في المجلس التشريعي والقيادي في حركة حماس بمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية نايف الرجوب لـ"المونيتور": "السلطة الفلسطينية لم تمنع فقط إقامة بيوت عزاء لمرسي في الضفة الغربية؛ بل خلقت حالة من الإرهاب وقمع الحريات، عبر اعتقال العديد من النشطاء بسبب تعاطفهم في كتاباتهم مع مرسي".

وعقب منع السلطة الفلسطينية إقامة بيوت عزاء لمرسي في الضفة الغربية، تحدى بعض النشطاء والمدونين القرار، وأعلنوا عبر صفحاتهم عبر فيسبوك أنهم قرروا فتح منازلهم لإقامة عزاء لمرسي.

علاء الريماوي مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني في رام الله أحد الذين أعلنوا فتح بيوتهم، قال لـ"المونيتور": "أعلنت من خلال حسابي عبر فيسبوك في 18 يونيو الجاري، فتح منزلي لإقامة عزاء لمرسي بعد منع السلطة إقامة بيوت عزاء في العديد من مناطق الضفة الغربية، وذلك كشكر منا كفلسطينيين لرئيس ساعد القضية الفلسطينية خلال فترة حكمه".

الوضع السياسي الفلسطيني الداخلي المتردي منذ الانقسام الداخلي عام 2007، والذي وصل حد العداء بين حركتي فتح وحماس، دفع ثمنه المواطن الفلسطيني من أبسط حقوقه في الحياة وهي حرية الرأي والتعبير.

الرابط الأصلي:


الأحد، 9 يونيو 2019

روسيا تدرس إعفاء الدبلوماسيّين الفلسطينيّين من تأشيرة دخول

أحمد أبو عامر – المونيتور

مدينة غزّة، قطاع غزّة — تواصل روسيا جهودها لتطوير علاقاتها مع السلطة الفلسطينيّة واستغلال الفراغ الذي أحدثته القطيعة بين الأخيرة والولايات المتّحدة الأميركيّة منذ إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في 6 كانون الأوّل/ديسمبر 2017، القدس عاصمة لإسرائيل، ووقف الإدارة الأميركيّة كلّ مساعداتها الماليّة إلى الفلسطينيّين، وإغلاقها مكتب منظّمة التحرير الفلسطينيّة في واشنطن في 10 أيلول/سبتمبر 201.

وكان آخر تلك الجهود ما أعلن عنه السفير الروسيّ لدى السلطة الفلسطينيّة حيدر أغانين في 29 أيّار/مايو الماضي، من رفعه إلى بلاده مشروع اتّفاقيّة تهدف إلى إعفاء حملة الجواز الدبلوماسيّ الفلسطينيّ من تأشيرة دخول روسيا.

وعبّر أغانين خلال زيارة وداعيّة إلى وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة في رام الله في 29 أيّار/مايو، عن سعادته بأنّ آخر مهمّة له كسفير تمثّلت في تسليم مشروع الاتّفاقيّة إلى بلاده والتي تهدف إلى تسهيل التواصل بين المسؤولين الفلسطينيّين ونظرائهم الروس.

وانتهت مهام أغانين الرسميّة كسفير لدى السلطة الفلسطينيّة في منتصف أيّار/مايو الماضي.

في المقابل، ثمّن وزير الخارجيّة الفلسطينيّ رياض المالكي خلال لقاء وداعيّ للسفير أغانين في 23 أيّار/مايو الماضي، الدعم السياسيّ والماليّ الذي تقدّمه روسيا إلى الفلسطينيّين، إضافة إلى مواقف روسيا الإيجابيّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة في المحافل الدوليّة.

شهدت مزاحمة روسيا للولايات المتّحدة الأميركيّة في الملف الفلسطينيّ صعوداً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، وكان أبرز تلك الجهود إعلان وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، استعداد بلاده للتوسّط لاستضافة لقاء فلسطينيّ–إسرائيليّ على أراضيها، وذلك في محاولة لاستئناف مفاوضات السلام بين الجانبين والتي توقّفت منذ عام 2014.

كما سعت روسيا إلى إنهاء الانقسام الفلسطينيّ الداخليّ واستقبلت وفوداً رسميّة وفصائليّة فلسطينيّة في تمّوز/يوليو وآب/أغسطس 2018، وتوّجت تلك اللقاءات باجتماع موسّع للفصائل الفلسطينيّة عقدته في موسكو في 11 شباط/فبراير 2019، إلّا أنّ ذلك الاجتماع لم ينجح في التوصّل إلى اتّفاق، بسبب تصاعد الخلافات بين حركتي حماس والجهاد الإسلاميّ وفصائل منظّمة التحرير الفلسطينيّة حول البرنامج السياسيّ الفلسطينيّ الموحد.

ثمّنت مساعدة وزير الخارجيّة الفلسطينيّ للشؤون الأوروبّيّة أمل جادو في حديث إلى "المونيتور" رفع مشروع الاتّفاقيّة إلى روسيا، مشيرة إلى أنّ وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة تسعى مع كلّ الدول التي تسمح لحملة الجواز الفلسطينيّ من دخول أراضيها، إلى إعفاء الفلسطينيّين من التأشيرة.

وأشارت إلى أنّ جهود وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة لتسهيل سفر حملة الجواز الفلسطينيّ، وفي مقدّمتهم الدبلوماسيّون تتقدّم بخطوات جيّدة مع الدول التي تربطها علاقات وطيدة مع دولة فلسطين.

وأوضحت أنّ تلك الخطوة جاءت لتؤكّد عمق العلاقات الروسيّة-الفلسطينيّة وتطوّرها مع مرور الوقت.

وجاءت الهند كآخر الدول التي بدأت في أيّار/مايو 2018، إعفاء حملة الجواز الدبلوماسيّ الفلسطينيّ من تأشيرة دخول أراضيها، وسبقتها دول عدّة كتشيلي واليمن وصربيا وأذربيجان.

وحسب مؤشّر موقع "باسبورت إندكس" لعام 2019، فإنّ 46 دولة حول العالم تعفي حملة الجواز الفلسطينيّ الدبلوماسيّ والعاديّ، من تأشيرة دخول أراضيها، فيما جاء تصنيف جواز السفر الفلسطينيّ في المرتبة 85 عالميّاً، من حيث الدول التي تسمح لحامله بدخول أراضيها بتأشيرة أو من دون تأشيرة.

كشف مسؤول في السفارة الروسيّة في رام الله، طلب عدم الإفصاح عن هويّته، لـ"المونيتور" أنّ السفير أغانين رفع مشروع الاتّفاقيّة إلى وزارة الخارجيّة الروسيّة في نهاية الشهر الماضي، بهدف دراستها والموافقة عليها.

وتوقّع المصدر أن توافق الخارجيّة الروسيّة على مشروع الاتّفاقيّة، وتدخل حيّز التنفيذ مع مجيء السفير الروسيّ الجديد لدى السلطة الفلسطينيّة، متمنّياً أن تتواصل جهود الطرفين الفلسطينيّ والروسيّ من أجل أن يتّسع الإعفاء ليطال كلّ حملة الجواز الفلسطينيّ وليس حملة الجواز الدبلوماسيّ فقط.

ويعود تاريخ العلاقات الفلسطينيّة-الروسيّة إلى عام 1970، عندما زار وفد رسميّ من منظّمة التحرير الفلسطينيّة الاتّحاد السوفيتي سابقاً، ووافق الأخير على افتتاح ممثّليّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في عام 1974 على أراضيه، لتترقّى في عام 1990 وتصبح سفارة فلسطين، ويترقّى ممثّل منظّمة التحرير الفلسطينيّة إلى رتبة سفير.

وفي إطار توطيد العلاقات بينهما، وقّع الجانبان 19 اتّفاقيّة تعاون مشترك خلال الأعوام 2016 و2017 و2018، في مجالات الإعلام والاستثمارات والبنية التحتيّة والتعليم والتبادل التجاريّ والمياه وغيرها، فيما عقدت اللجنة السياسيّة العليا الروسيّة-الفلسطينيّة التي تأسّست في عام 1980، اجتماعاً في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2018، للتباحث في التحرّك السياسيّ المشترك في المرحلة المقبلة.

وأسّس الجانبان اللجنة الحكوميّة المشتركة الروسيّة-الفلسطينيّة للتعاون التجاريّ–الاقتصاديّ في 13 نيسان/أبريل 2015، وعقدت اللجنة 3 لقاءات منذ تأسيسها، الأوّل في 15 آذار/مارس 2016، والثاني في 8 نيسان/أبريل 2017، والثالث في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.

اعتبر عضو مجلس إدارة جمعيّة خرّيجي الجامعات الناطقة باللغة الروسيّة في بيت لحم والمختصّ في العلاقات الروسيّة–الفلسطينيّة جمال برغوث في حديث إلى "المونيتور" مشروع إعفاء حملة الجواز الدبلوماسيّ الفلسطينيّ من تأشير دخول روسيا خطوة مشجّعة لتطوير العلاقات بين الجانبين الفلسطينيّ والروسيّ، متمّنياً أن تشمل تلك الاتّفاقيّة مستقبلاً جميع المواطنين الفلسطينيّين الذين يسافرون إلى روسيا.

وأوضح أنّ العلاقة الروسيّة-الفلسطينيّة شهدت تطوّراً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة، في المجالات كافّة السياسيّة والاقتصاديّة والتجاريّة والتعليميّة، قائلاً: "إنّ روسيا قدّمت 160 منحة دراسيّة خلال عام 2018، للطلبة الفلسطينيّين للدارسة في الجامعات الروسيّة في مختلف التخصّصات والمستويات التعليميّة".

يبدو أنّ العلاقات الروسيّة-الفلسطينيّة ستشهد حالة من التطوّر، في ظلّ رفض القيادة الفلسطينيّة القبول بالولايات المتّحدة الأميركيّة وسيطاً وحيداً في مفاوضات السلام مع إسرائيل، وسط توقّعات بزيارة للرئيس الفلسطينيّ إلى العاصمة موسكو بعد عيد الفطر للتباحث مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين والمسؤولين الروس في التطوّرات السياسيّة للقضيّة الفلسطينيّة والتحرّك السياسيّ المشترك، في ظلّ استعداد الإدارة الأميركيّة طرح خطّتها للسلام.



الخميس، 6 يونيو 2019

إيران تقدّم مساعدات ماليّة إلى أسر الشهداء الذين أوقفت السلطة الفلسطينيّة رواتبهم

أحمد أبو عامر – المونيتور

مدينة غزّة، قطاع غزّة – عادت إيران مجدّداً لتضخّ الأموال في قطاع غزّة، ولكن هذه المرّة من باب مساعدة أسر الشهداء الذين أوقفت السلطة الفلسطينيّة رواتبهم منذ شباط/فبراير من عام 2019، وعددها 1700 أسرة في قطاع غزّة، وأعلنت مؤسّسة شهيد فلسطين الإيرانيّة في 30 أيّار/مايو الجاري تقديم مساعدات ماليّة إلى 1540 أسرة شهيد في قطاع غزّة.

الإعلان عن تقديم تلك المساعدات، جاء على هامش الإفطار الرمضانيّ السنويّ الذي أقامه "المؤتمر الدوليّ لدعم الانتفاضة الفلسطينيّة – طهران" في 30 أيّار/مايو الجاري، والذي يعقد للسنة الثالثة على التوالي في قطاع غزّة. وفي كلمة له، حيّا رئيس المجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ علي شمخاني أهالي الشهداء والجرحى، وأكّد أنّ إيران ستواصل دعمها للفصائل الفلسطينيّة.

وكانت السلطة الفلسطينيّة أوقفت، في شباط/فبراير من عام 2019، رواتب 1700 أسرة شهيد في قطاع غزّة، وبرّرت ذلك بأنّه خلل فنيّ لدى وزارة الماليّة وستعيد صرفها بداية شباط/فبراير الجاري، إلاّ أنّها لم تقم بذلك حتّى نهاية أيّار/مايو الجاري، ولم تقدّم مبرّرات لذلك.

ووصف رئيس الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان عمّار الدويك في تصريحات لإذاعة "وطن" المحليّة في 30 أيّار/مايو الجاري، وقف السلطة الفلسطينيّة صرف الرواتب بـ"القرار السياسيّ المخالف للقانون".

وكانت صحيفة "الأخبار" اللبنانيّة ذكرت في 30 كانون الثاني/يناير الماضي، أنّ قطع السلطة رواتب تلك الأسر هو بسبب انتمائها إلى حركة "حماس"، وجاءت تلك الخطوة من قبل السلطة الفلسطينيّة في إطار التقليصات الماليّة التي بدأتها ضدّ قطاع غزّة منذ آذار/مارس من عام 2017، بهدف الضغط على حركة "حماس" للتخلّي عن سيطرتها على قطاع غزّة.

وذكر مصدر في مؤسّسة "شهيد فلسطين" الإيرانيّة، فضّل عدم الإفصاح عن هويّته، في حديث لـ"المونيتور" أنّ المساعدات المقدّمة تبلغ 651 ألف دولار أميركيّ، ستوزّع خلال الأيّام المقبلة على 1540 أسرة شهيد في قطاع غزّة عبر فروع البنك الوطنيّ الإسلاميّ التابع لحركة "حماس".

وبيّن المصدر أنّ المنحة جاءت لمساعدة أسر الشهداء الذين قطعت السلطة الفلسطينيّة رواتبهم خلال الأشهر الماضية، وتصرف لمرّة واحدة فقط، قائلاً: "إنّ إيران ترى في الوقوف إلى جانبها ومساعدتها ماليّاً واجباً مقدّساً".

وأوضح أنّ المنحة ستشمل أيضاً 224 جريحاً فلسطينيّاً أصيبوا بجراح صعبة خلال مشاركتهم في مسيرات العودة وكسر الحصار، التي انطلقت في قطاع غزّة منذ آذار/مارس من عام 2018، مشدّداً على أنّ "مؤسّسة شهيد فلسطين" والجمهوريّة الإيرانيّة ستواصلان تبنّيهما ماليّاً لشهداء وجرحى مسيرات العودة وكسر الحصار.

وتواصل "المونيتور" مع أكثر من مسؤول في السلطة الفلسطينيّة للتعقيب على تقديم إيران الأموال، إلاّ أنّهم رفضوا التحدّث.

وكانت إيران أعلنت في 27 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، عن تبنّيها لشهداء وجرحى مسيرات العودة وكسر الحصار، وقدّمت مساعدات ماليّة إليهم، وهي خطوة أثارت غضب منظّمة التحرير الفلسطينيّة، واعتبر عضو اللجنة التنفيذيّة للمنظّمة عزّام الأحمد في 27 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، هدف الأموال الإيرانيّة تكريس الانقسام الفلسطينيّ الداخليّ كونها اختصّت بأهالي شهداء قطاع غزّة من دون الضفّة الغربيّة والقدس.

وأكّد الأمين العام للجنة الوطنيّة لأهالي الشهداء والجرحى ماهر بدوي في حديث لـ"المونيتور" أنّ جهودهم في إقناع السلطة الفلسطينيّة لإعادة رواتب 1700 أسرة شهيد في قطاع غزّة، لم تنجح حتّى اللحظة.

من جهته، قال رشاد العسلي، وهو والد شهيد قطعت السلطة الفلسطينيّة راتبه، لـ"المونيتور": "ذهبت بداية كانون الثاني/يناير الماضي إلى البنك لأتقاضى الراتب الشهريّ كالمعتاد، إلاّ أنّني تفاجأت بأنّ رصيدي في البنك هو صفر. وعند الاستفسار عن ذلك، قال لي موظّف البنك إنّ وزارة الماليّة في رام الله لم تودع لي أيّ أموال".

أضاف: "منذ كانون الثاني/يناير حتّى أيّار/مايو الجاري، ونحن نترقّب إعادة صرف الراتب، ولكن من دون جدوى".

وأشار إلى أنّه تواصل مع العديد من المسؤولين في وزارة الماليّة برام الله ومؤسّسة رعاية الشهداء التابعة للسلطة الفلسطينيّة، إلاّ أنّ جهوده لم تفلح في إعادة الراتب، ولم يحصل على أسباب لوقف الصرف.

وأوضح أنّ نجله جهاد، الذي استشهد بعد قصف طائرة إسرائيليّة لمزرعة شرق بلدة بيت لاهيا - شمال قطاع غزّة في 7 كانون الثاني/يناير من عام 2009، لا ينتمي لأيّ فصيلة، منوهاً إلى أنّ إيران قدّمت إليه مساعدة ماليّة لمرّة واحدة فقط منتصف عام 2018.

ودأبت إيران، منذ عام 2001، على تقديم مساعدات ماليّة دوريّة إلى آلاف أسر الشهداء في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة عن طريق جمعيّة الأنصار الخيريّة، ومقرّها مدينة غزّة.

وأكّد مسؤول ملف الشهداء في جمعيّة الأنصار سامي أبو عيادة لـ"المونيتور" أنّ إيران تتكفّل بتقديم مساعدات ماليّة كلّ 3 أشهر لـ9 آلاف أسرة شهيد فلسطينيّ (7 آلاف في قطاع غزّة و2000 في الضفّة الغربيّة)، رافضاً الكشف عن آليّة إيصال تلك الأموال من إيران إليها.

وبيّن أنّهم يقومون بصرف مساعدة ماليّة بقيمة 600 دولار كلّ 3 أشهر لأسرة شهيد كان متزوّجاً، فيما تمنح المؤسّسة 300 دولار كلّ 3 أشهر لأسرة الشهيد الذي كان أعزباً.

وأوضح سامي أبو عيادة أنّ الدعم الإيرانيّ المقدّم إلى أسر الشهداء تراجع منذ عام 2015، وذلك بسبب توجّه الدعم الإيرانيّ لأكثر من دولة في المنطقة تشهد صراعات كاليمن وسوريا والعراق، لافتاً إلى أنّ قيمة ما قدّمته إيران إلى أسر الشهداء عبر مؤسّسة الأنصار خلال عام 2018 بلغ 2 مليون دولار، وهو مبلغ قليل مقارنةً مع ما كانت تقدّمه إيران في السنوات السابقة.

واعتبر المحلّل السياسيّ وأستاذ الدراسات الفلسطينيّة في جامعة طهران هادي برهاني خلال حديث لـ"المونيتور" تقديم إيران المساعدات الماليّة تعبيراً عن موقفها المعلن من دعم الفلسطينييّن، لافتاً إلى أنّ إيران ترى في أسر الشهداء والجرحى شريحة اجتماعيّة يجب أن تبقى في سلّم أولويّاتها، مكافأة لهم على تضحياتهم.

وشدّد على أنّ العقوبات الأميركيّة التي فرضت على إيران مجدّداً في أيّار/مايو من عام 2018 لن تؤدّي إلى وقف الدعم الماليّ الذي تقدّمه إيران إلى أسر الشهداء والجرحى، أو ذلك الدعم الماليّ والعسكريّ المقدّم إلى الفصائل الفلسطينيّة.

يبدو أنّ الأموال الإيرانيّة ستبقى تتدفّق على قطاع غزّة، وذلك رغم الانتقادات الأميركيّة والإسرائيلية، وكذلك السلطة الفلسطينيّة، فإيران ترى في قطاع غزّة والفصائل الفلسطينيّة المسلّحة فيه من أهمّ حلفائها في المنطقة.



الجمعة، 31 مايو 2019

تخوّفات إسرائيل من انهيار السلطة الفلسطينيّة تدفعها إلى الموافقة على إدخال مركبات مصفّحة لها

أحمد أبو عامر – المونيتور

مدينة غزّة، قطاع غزّة — دفعت التحذيرات الإسرائيلية من الانهيار المحتمل للسلطة الفلسطينيّة اقتصاديّاً وتضرّر التنسيق الأمنيّ بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بسبب الوضع الماليّ والاقتصاديّ المتردّي في الضفّة الغربيّة، والتي رفعتها الأجهزة الأمنيّة والجيش الإسرائيليّ إلى المستوى السياسيّ الإسرائيليّ في نهاية نيسان/أبريل الماضي ومنتصف أيّار/مايو الجاري، إلى سماح القيادة السياسيّة الإسرائيليّة في21 أيّار/مايو الجاري، بإدخال مركبات عسكريّة مصفّحة بتمويل أمريكي للأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة في الضفة الغربية عبر الأردن.

السلطة وإسرائيل تتخوفان من تحرك الشارع الفلسطيني بسبب الأزمة المالية والاقتصادية وتعجز الأجهزة الأمنية الفلسطينية عن التصدي لأي اضطرابات قد تحدث مستقبلا بسبب النقص الكبير في المركبات والمعدات العسكرية للأجهزة الأمنية الفلسطينية.

وتعاني السلطة الفلسطينيّة أوضاعاً ماليّة واقتصاديّة سيّئة، وذلك في ظلّ تراجع المنح الخارجيّة وإيقاف أميركا كامل مساعداتها التي كانت تقدّمها إلى الفلسطينيّين، إضافة إلى رفضها (السلطة) منذ 19 شباط/فبراير الماضي، استلام أموال المقاصة من إسرائيل احتجاجاً على اقتطاع الأخيرة مبلغ 502 مليون شيقل (138 مليون دولار) من تلك الأموال، وهي قيمة ما دفعته السلطة الفلسطينيّة كرواتب إلى الأسرى الفلسطينيّين في السجون الإسرائيليّة وأهالي الشهداء خلال عام 2018.

وتخشى إسرائيل أن تعجز السلطة الفلسطينيّة خلال الأشهر المقبلة عن القيام بواجباتها الماليّة تجاه الفلسطينيّين، تقليص بشكل كبير وليس قطع قد تصل نسبة الرواتب 30 بالمائة، الأمر الذي قد يشعل الضفّة الغربيّة ويؤدّي إلى مواجهات بين الفلسطينيّين والجيش الإسرائيليّ، وذلك خلافاً لرغبة الإدارة الأميركيّة والحكومة الإسرائيليّة اللتين تريدان الإبقاء على حالة من الهدوء قدر المستطاع في الأراضي الفلسطينيّة لإنجاز خطّتها السياسيّة والاقتصاديّة للسلام والمعروفة باسم "صفقة القرن".

وتأمل إسرائيل أن تساهم خطوة إدخال المركبات المصفّحة إلى تبدّل القناعات لدى الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس من رفض استلام أموال المقاصة احتجاجاً على اقتطاع إسرائيل جزء منها، وهو ما أدّى إلى صرف الحكومة الفلسطينيّة في مارس الماضي، قرابة نصف رواتب لموظّفيها، بمن فيهم رجال الأمن.

قال مدير دائرة العلاقات العامّة والإعلام في جهاز الأمن الوطنيّ الفلسطينيّ العقيد حافظ الرفاعي لـ"المونيتور": "إدخال المركبات المصفّحة جاء بعد ضغوط أميركيّة على الحكومة الإسرائيليّة، وذلك بعد رفض إسرائيل إدخالها لأكثر من 6 سنوات وبقائها وديعة لدى الأردن".

وأوضح الرفاعي أنّ إسرائيل تمنع منذ سنوات طويلة إدخال الكثير من المعدّات اللازمة لقوى الأمن الفلسطينيّ وفي مقدّمتها الآليّات العسكريّة والدروع الواقية للرصاص والبنادق الآليّة وكذلك الذخيرة، منوّهاً بأنّ منع إدخال تلك المعدّات يؤثّر على فعاليّة قوّات الأمن الفلسطينيّة بالضفة الغربية وعملها والتحدّيات التي تواجها على الساحة الفلسطينيّة.

وشاركت المركبات المصفّحة التي دخلت مؤخراً في المهمّة الأمنيّة الأولى لها في مدينة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة والتي شهدت اشتباكات مسلّحة عنيفة في 15 أيّار/مايو الجاري، بين عائلتين كبيرتين، واستمرّت تلك الاشتباكات 6 أيّام قبل أن تسيطر القوى الأمنيّة الفلسطينيّة على الحادث. الآليات شاركت في آخر يوم للاشتباكات والذي كان يوم 21 مايو.. دخلت المركبات من الأردن وذهبت مباشرة على مدينة الخليل لفض الاشتباكات المسلحة.

ليست هذه المرّة الأولى التي تسمح فيها إسرائيل بإدخال مركبات عسكريّة للأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، فقد وافقت في نهاية عام 2016، على إدخال دفعة من تلك المركبات إلى الضفّة الغربيّة.

أكّد الناطق باسم الحكومة الفلسطينيّة ابراهيم ملحم في حديث إلى "المونيتور" أنّ قطع أميركا مساعداتها الماليّة للفلسطينيّين وتراجع المنح الخارجيّة واقتطاع إسرائيل من أموال المقاصة الفلسطينيّة كلّها عوامل تؤثّر على عمل الحكومة الفلسطينيّة، بما في ذلك عمل الأجهزة الأمنيّة.

وبيّن أنّ الحكومة الفلسطينيّة ومؤسّساتها المختلفة تعتمد على بعض الموارد الماليّة الداخليّة (الضرائب) وبعض المنح الخارجيّة من الإمارات وغيرها للاستمرار في عملها، مشدّداً على أنّ القيادة الفلسطينيّة لن تقدّم أيّ تنازلات في الجانب السياسيّ كما تريد الإدارة الأميركيّة، أو الجانب الماليّ كما تريد إسرائيل والتي تضغط على السلطة الفلسطينيّة لوقف رواتب الأسرى في السجون الإسرائيليّة وعائلات الشهداء لأن إسرائيل تنظر إليهم كإرهابيين.

ويبقى هاجس استيلاء حماس على الضفّة الغربيّة على غرار ما حدث في قطاع غزّة في عام 2007، في حال عجزت السلطة الفلسطينيّة عن القيام بواجباتها الأمنيّة، مسيطراً على الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وهو سبب إضافيّ لسماح إسرائيل بإدخال تلك المركبات إلى الضفّة الغربيّة.

قال القياديّ في حركة حماس ونائب رئيس كتلها البرلمانيّة في المجلس التشريعيّ يحيى موسى لـ"المونيتور": "لم نستغرب سماح إسرائيل إدخال تلك المركبات للسلطة الفلسطينيّة، فالأخيرة وجدت من أجل إحباط أي عمل فلسطيني مسلح ضد إسرائيل، والتنسيق معها أمنياً في هذا الجانب".

وكان رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّ السابق غادي أيزنكوت، حذّر في 16 أيّار/مايو الجاري، من مواجهة إسرائيل حالة من التدهور الأمنيّ اليوميّ في حال أوقفت السلطة الفلسطينيّة التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، وأضاف: "التنسيق الأمنيّ هو مصلحة مشتركة لإسرائيل والسلطة الفلسطينيّة ومن دون التنسيق الأمنيّ، ستكون هناك احتكاكات كثيرة في الضفة الغربية وإسرائيل".

اعتبر مدير المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجيّة "مسارات" في قطاع غزّة صلاح عبد العاطي، في حديث إلى "المونيتور" أنّ مؤشّرات انهيار السلطة الفلسطينيّة اقتصادياً باتت واضحة في ظلّ ما تعانيه من أزمات ماليّة.

وبيّن أنّ إدخال المركبات المصفّحة يأتي في إطار منع الانهيار التامّ لتلك السلطة، والإبقاء على التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل فعّالاً، منوّهاً بأنّ في إسرائيل اتّجاهين سياسيّين، الأوّل مع بقاء السلطة الفلسطينيّة لمنفعتها الأمنيّة لإسرائيل، والاتّجاه الآخر لا يكترث بانهيارها.

يبقى إدخال المركبات المصفّحة للسلطة الفلسطينيّة غير ذي جدوى في حال استمرّت الأزمة الماليّة التي تعصف بالسلطة الفلسطينيّة وتهدّدها بالانهيار.



مقاتلون بارزون في عرين الأسود يسلمون أنفسهم للسلطة

أحمد ابو عامر - المونيتور مدينة غزة، قطاع غزة – سلم المزيد من مقاتلي مجموعة عرين الأسود في نابلس أنفسهم للسلطة الفلسطينية،  وذلك في ظل الاتص...